رفيع الدين محمد بن محمد مؤمن الجيلاني

440

الذريعة إلى حافظ الشريعة ( شرح أصول الكافي )

بالقوّة الباصرة على ما هو شأن القوى الاخر ، ولا النجّار على فعل الخيّاط من حيث ملكة النجارة ، وهكذا الأمر في سائر المبادئ بلا تفرقة ، واللَّه سبحانه فاعل بالإطلاق ، وفعله مطلق ؛ بمعنى أنّه ليس فيه - عزّ شأنه - حيثيّة أو جهة هي جهة صدور فعل دون آخر ، وإلّا لكان فيه جهة دون جهة ، وذلك ممتنع ؛ لاستلزام ذلك اختلاف جهاته بالنسبة إلى الأشياء وبالقرب والبُعد والاقتدار وعدمه ، فهو جلّ سلطانه لا يقيّده الأدوات بهذا المعنى ، وأظنّك ما سمعت بهذا التحقيق من غيرنا ؛ ففتّن به . « 1 » قوله عليه السلام : « بتشعيره المشاعر عُرف أن لا مشعر له » . قال الفاضل شارح التوحيد : هذا وما بعدها من الفقرات إنّما يبتني على قاعدة شريفة وأصل أصيل : أمّا القاعدة : فهي أنّ الفاعل المستغني بذاته عن كلّ شيء لا يوصف بالشيء المعلول له ؛ إذ الوصف يدلّ على الكمال والوجود كما في الخبر ، فيستكمل هو بخلقه ، وذلك ينافي الغنى الذاتي . وأمّا الأصل : فهو أنّ فاعل الشيء يجب أن لا يكون فيه شيء من معلوله بأن يكون هو سنخاً له ؛ وذلك لأنّ الحقّ في الجعل إنّما هو جعل الطبائع - كما هو صريح في قوله : « بتشعيره المشاعر » - جعلًا بسيطاً حتّى توجد مشاعر ، فجاعل الطبيعة النوعيّة إنّما يجعل جنسها مقيّداً بالفصل ؛ إذ لا وجود له إلّابذلك الفصل ؛ لأنّه يعيّن الجنس ، فإذا كان ذلك الجنس المعلول حاصلًا في العلّة ، يلزم علّيّة الشيء لنفسه ، ولا مجال هاهنا للقول بأنّه علّة لذلك الجنس في ضمن هذا الفرد ؛ إذ قد قلنا : إنّ المجعول بالذات هو الطبيعة ، والفرد مجعول بالعرض ببراهينَ ليس هنا محلّ ذكرها . وبالجملة ، لو كان من المعلول سنخ في العلّة ، لزم كون الشيء معلولًا لنفسه ، وذلك ممتنع ؛ فبتشعير اللَّه المشاعر وجعله إيّاها عرف العارفون باللَّه أن لا مشعر له ، لا جنسه ولا سنخه ، فالعلّة مباينة للمعلول بتمام ذاتها وحقيقتها ؛ وليذهب الحسن يميناً وشمالًا . « 2 » قوله عليه السلام : « وذلك قول اللَّه عزّوجلّ : « وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ » » « 3 » .

--> ( 1 ) . شرح توحيد الصدوق ، ج 1 ، ص 155 - 156 . ( 2 ) . شرح توحيد الصدوق ، ج 1 ، ص 157 - 158 . ( 3 ) . الذاريات ( 51 ) : 49 .